واقع الحال واستنساخ الأجيال

كتبهاابراهيم الحمزي ، في 22 سبتمبر 2008 الساعة: 23:14 م

واقع الحال واستنساخ الأجيال  د.غيلان الشرجبي(صحيفة الوسط )العدد(209)الأربعاء17 سبتمبر 2008
الاستنساخ يعني إنتاج أو استخراج صورة مطابقة للنسخة الأصلية لكن دخول هذا اللفظ ميدان البحث التجريبي أعطاه تعريفا شائعا أثار جدلا واسعا تعدى حدود التجارب
البحثية التي تسعى لاستنساخ كائنات حية عن طريق زراعة خلايا عضوية أثبتت إمكانية النمو الطبيعي وبنفس الظروف التي تتشكل بها الأجنة في الأرحام، وصولا إلى اكتمال الهيئة شأن الكائن الذي أخذت منه الخلية الأولية -وهي تجارب واجهت الكثير من الانتقادات على مستوى العالم بأسره- فتداخلت المحاذير الدينية بالأخلاقية رفضا وقبولاً.
فهناك من اعتبر الاستنساخ محاكاة للخلق الذي هو خاصية الخالق بينما رأى آخرون أن الخالق سبحانه يوجد الأشياء من العدم لهذا جاء التحدي القرآني للإنسان بأنه مهما بلغ من العلم فهو أعجز عن إنتاج النواة لبذرة الزراعة أو الحيوان المنوي الذي هو أصل الكائنات الحية ليظل للاجتهاد البشري حرية الحركة بحدود استغلال السنن الكونية واكتشاف العلاقة بين العناصر الموجدة وأسرارها الخفية وبمقابل ذلك رفعت اعتراضات أطراف أخرى لا بدوافع دينية وإنما لأن تعقيدات المخلوقات الحية لا يمكن اختزالها بانتزاع خلية معينة من أحد أعضاء الجسم وزرعها لاستنساخ كائنات.. لأن لكل عضو في الجنين شفرة اتصال أو تواصل مع الجهاز الكلي للجسم - وبهذا سيؤدي الاستنساخ إلى اختزال التنوع في القدرات والفروق الفردية التي هي سر التكامل لبني البشر ليضطلع كل منا بدوره في الحياة فـكل مهيأ لما خلق له وإن سعيكم لشتى..الخ. وتعطيلاً لهذه الخاصية سينتج كائنات آلية أشبه بالأجهزة الإلكترونية فإذا وظف ذلك الاستنساخ كائنات عدوانية مفرغة من العواطف والقيم فتلك كارثة.. إلى ما هنالك من تداعيات جدية اقتربت من إقرار التوظيف الإنساني لزراعة الأعضاء البديلة للأعضاء التالفة في الجسم أي مشروعية الاستنساخ لأغراض طبية.
ولست - هنا- بمعرض مناقشة مخاضات هذا الجدل بقدر التوقف عند ظاهرة أثارت انتباهي وهي: إن التركيز على قضية ما يجعلنا نتفاعل مع الحدث وكأنه وليد اليوم وإن لم يكن كذلك، ثم حصر الموضوع في نطاق الإثارة الدعائية وإغفال الزوايا التي قد تكون أكثر أهمية لدراسة الظاهرة.. فالنظرة الموضوعية تؤكد أن فكرة الاستنساخ قديمة قدم التاريخ -بالحديث عن (تناسخ الأرواح) الخ- وأيضا التقاليد السائدة منذ القدم عن (التهجين) بتلقيح أنثى تنتمي إلى فصيل حيواني أدنى بنوعية ذكرية أرقى لإنتاج جيل هجين أفضل وهو تقليد شاع في البيئة العربية القديمة حتى على مستوى الاعتقاد بإمكانية تكاثر الفوارس والشعراء والشخصيات المميزة كالحكماء وغيرهم عن طريق تلقيح بعض النسوة بذكور يحملون هذه الصفات الوراثية.. وما إلى هنالك.
أما الموضوع الأهم من بحوث الاستنساخ التي شغلت الإنسان في هذا العصر فهو: ما تعانيه المجتمعات المتخلفة من سياسات خاطئة أفضت إلى واقع الحال المتردي الذي تعيشه الأجيال المتعاقبة بفعل استنساخ أزماتنا المزمنة والتي لم تكن مناهج التعليم وأساليب التنشئة التقليدية سوى مصدر مباشر لها ومن يمعن النظر ويتجاوز محدودية التحليل المبتسر لإشكالية الإنسان العربي وكيف يكرر ذاته ويجتر ماضيه وينقل نقلا آليا لموروثه الثقافي والفكري.. فلا بد أن يصل إلى حقيقة: أننا نقف عند الأسباب ونظل ندور في سراب لأننا لا نفتش عن المسببات ولا نربط النتائج بالمقدمات، فنجهل أو نتجاهل: أن قولبة التفكير يفرز قوالب فكرية جامدة لإنتاج أجيال تقليدية يستحيل الارتقاء بقدراتها لإحداث حضارة تجديدية.. ولمحاولة إثبات هذه الفرضية تفتح أمامنا آفاق واسعة لنماذج استشراء هذا الاستنساخ المنهجي الذي صار تقليدا متوارثا يلغي كافة محاولات التغيير السياسي والتحديث الحضاري لسبب بسيط وهو:
اعتياد كل جيل عربي على فرض قوالبه الجامدة على الأجيال اللاحقة له، فكل مذهب ديني أو حركة سياسية تتعمد صب أيديولوجياتها أو تراثها في بوتقة معرفية تضفي عليها من القداسة ما يجعل مجرد الخواطر التي تدور في أذهاننا خارج سياق المألوف جرماً ينبغي التكفير عنه مهما صدر عن روح نقدية تتحرى التفريق بين الاجتهاد وأصول الاعتقاد.. ناهيكم عن التصريح العلني بهذه الخواطر، ليبلغ الأمر مداه بمحاكمة الإنسان على حرية التفكير والتعبير ونوعية علاقاته بالآخر.. فالانفتاح مدعاة للشك والنقد الذاتي مؤشر على الخروج عن الطاعة ومفارقة الجماعة ولا فرق في ذلك بين مجتمعات تقليدية متعددة الثقافات وأخرى أحادية الثقافة فذاك ينغلق على ذاته وهذا يعاني من الانشطارات الداخلية.. وهي إشكالية لخصها الإمام أبو حامد الغزالي بقوله: قد تعجبك مقولة.. فإذا علمت أنها لمعتزلي أو أشعري وأنت تسيء الظن بمذهبه ضربت بها عرض الحائط فـكل حزب بما لديهم فرحون حتى في غياب دواعي الفرح.
ولا عجب - إذا- إن صدمتنا شواهد تضاد إرادة التجديد وجاذبية التقليد.. بما نعانيه من اضطراب القيم التي تتحدث عن ديمقراطية لأناس أدمنوا الدكتاتورية. ورفع شعارات تقدمية على لسان أشخاص غارقين حتى النخاع في مستنقع التخلف ويسري ذلك على (القيم: الوحدوية - الثورية..الخ) في ظل شرعنة النعرات المناطقية وتكريس الإقطاعيات الأسرية.. وهلم جراً.. وكأن لسان حال الجميع يعيد على مسامعنا المقولة الشعرية الجاهلية: وما أنا إلا من (غزية) إن غوت غويت وإن ترشد (غزية) أرشد. وكلها تقاليد تتنافى مع توجهات عقيدة هذه الأمة وتوجيهات الحديث النبوي الشريف لا يكن أحدكم إمعة يقول: إذا أحسن الناس أحسنت، وإن أساءوا أسأت.. ولكن فليوطن أحدكم نفسه فإن أحسن الناس فليحسن، وإن أساءوا فليتجنب إساءتهم وتلك قمة الحرية الفردية التي تؤكد على التوازن النفسي والفكري، بضرورة مسايرة الفرد للجماعة بحدود عقلانية الخيارات السائدة والانتصار للخيار الأجدر بالاتباع حينما تختل موازين القيم الجامعة.. لتبقى حاكمية القيم هي المرجعية. وهنا نستطيع التشديد على لفظتين فقط أجزم واثقا أنهما (وصفة علاجية) لكافة الاختلالات الشائعة، وهما (القيم - المعايير) فحسب - فما لم نستمد من القواسم المشترك دليلا نظريا لإدارة العلاقات الاجتماعية فيحتكم الجميع إلى معايير منهجية لترجمة الشراكة الوطنية إلى إجراءات سلوكية.. ما لم يشعر كل مواطن أنه عضو فاعل في الحياة ينتمي إلى وطن الجميع.. ما لم نستند إلى معايير موضوعية لترشيد الحقوق والواجبات.. ما لم تسد قوانين المواطنة المتساوية وبواقعية نسبية.. ما لم تعزز الشراكة المؤسسية التي نستشعر معها بجدوى العلاقة العضوية التي يؤدي فيها كل منا دوره الفعلي بعيدا عن العقلية الإقصائية فيحس المواطن بأن لاجتهاداته ثمرة تضعه حيث تنتهي إليه إنجازاته العلمية والعملية التي لا استثناءات فيها لإسقاط حقوقه المشروخة. وحين يحترم العقل فيتحرك لإطلاق طاقاته الإبداعية المكبوتة فلا نلغي إرادته أو نحوله إلى آلة استنساخ لا يملك سوى الحفظ والتلقين لنصوص نظرية عفا عليها الزمن وأكل الدهر عليها وشرب.. حينما يجد الموظف نفسه في بيئة ديمقراطية تحكمها قرارات جماعية توفر للجميع مناخات صحية ملائمة لتطوير الإنتاج وتحسين الأداء واعتماد ذلك كقاعدة معيارية للمفاضلة.. وحينما نحتكم إلى لوائح تضع حدا للصلاحيات المطلقة التي يتصرف فيها المسؤول وكأنه حاكم بأمر الله وخليفة لشرعية الإمام.. حينها فقط نستطيع المراهنة على مصداقية مشروع النهوض الوطني والاطمئنان على حاضرنا ومستقبل أجيالنا.
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “واقع الحال واستنساخ الأجيال”

  1. الأخ العزيز ابراهيم الحمزي تحياتي لك ..وأتمنى لك التوفيق ..

    عنوان مدونتك جميل ورائع ، ولكن …ما دامت القيم السامية أسيرة في عبارات وكلمات تبقى حقائق نظرية لا تثير مشاعر النس ولا تحرك أعصابهم..بينما إذا تجسدت القيم في أشخاص ودخلتْ معهم في تيار الحياة برز للناس جمالها وروعتها وأثارت عاصفة من الأحاسيس والعواطف التي تتحول بدورها إلى ثورة عارمة ضد الطغيان والظلم وانعدام الأمن والحرية..

    لذلك أتمنى من كاتبٍ حرٍ أصيل مثلك أن يكون كل تركيزنه هو كيف يؤثر في الناس؛ ليس من خلال الكلمة الجميلة فحسب ؛ وإنما من خلال الموقف الشجاع الذي يهز ضمائر الناس ويحطم في داخلهم أسوار الخوف من الطغاة والجبابرة ..

    تقبل سلامي واحترامي لك ولكل قراء مدونتك



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر