مع اسرائيل القانون شرعة الأقوياء

كتبهاابراهيم الحمزي ، في 14 يناير 2009 الساعة: 18:42 م

مع اسرائيل القانون شرعة الأقوياء
د.عادل عزام سقف الحيط
دكتوراة في القانون الدولي الإنساني / أمريكا
 
القانون الدولي الإنساني هو أحد فروع القانون الدولي العام، وهو مجموعة من القواعد الدولية، العرفية والمكتوبة، التي تهدف إلى حماية المحاربين والمدنيين أثناء النزاعات المسلحة، لاعتبارات إنسانية، وصيانة الأموال التي ليس لها علاقة مباشرة بالعمليات العسكرية.
 
فبسبب ما أصاب البشرية خلال الحروب الأهلية والدولية من أهوال ومآس، ومن ممارسات بالغة القسوة والبشاعة، لا تقتضيها الضرورة العسكرية، ولا تفرضها الرغبة في هزيمة العدو، وإنما تدفع إليها الرغبة في التشفي وإثارة الرعب ونشر الدمار المادي والمعنوى؛ وبشكل خاص العنف الوحشي الذي حايث الحربين العالميتين الأولى والثانية؛ اتجه المفكرون والفقهاء والساسة والهيئات الدولية، إلى المطالبة بالعمل على الحد من آثار الحروب الشعواء، وعدم تجاوزها للضرورة العسكرية، وتهذيبها بحيث تتفق مع الهدف من الحرب والمبادئ الإنسانية. فسنّ المشرعون الكثير من القواعد العرفية والاتفاقيات المدونة لحماية ضحايا النزاعات المسلحة وصون كرامتهم.
 
ولعل أهم الصكوك الأساسية للقانون الدولي الإنساني هي اتفاقيات لاهاي لعام 1907 واللوائح المرافقة لها، واتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولات المرافقة لها من عام 1977، واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980 بشأن حظر أو تقييد بعض الأسلحة التقليدية. وعلى الرغم من كثرة العهود والمواثيق الدولية، الخاصة بقواعد القانون الدولي الإنساني، إلا أن الأمم المتحدة لم تتمكن حتى الآن من وضع آليات فاعلة لحمل كل الدول على تنفيذ تعهداتها بموجب تلك المواثيق، أسوة بالعقوبات التي تفرضها الدول على من ينتهك قانونها الوطني، كما أن الدول الاستعمارية الكبرى كثيراً ما عطلت أو أعاقت عمل أجهزة الأمم المتحدة والمحاكم الدولية، مستغلة مكانتها في مجلس الأمن ونفوذها العالمي. وكانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قد أصدرت قرارها رقم (34/103) في 14 كانون الأول/ديسمبر 1979 القاضي بعدم قبول سياسة الهيمنة في العلاقات الدولية، والتأكيد على مبدأ المساواة بين الدول السامية في تحمل مسؤولياتها والخضوع لسلطة القانون الدولي؛ لكن أجهزة الأمم المتحدة لا تزال ترزح تحت هيمنة الدول الكبرى وسيادة القوة، لا القانون.
في ظهر يوم السبت الموافق 27 كانون الأول/ديسمبر2008 شنت قوات الاحتلال عدوانها على غزة، حيث قصفت طائرات العدو القطاع بمائة طن من المتفجرات، في اليوم الأول فقط، وتصاعدت وتيرة العدوان تدريجيا، كما اتسع نطاقها في الأيام التالية مستهدفة المباني السكنية والمشافي ودور العلم والمساجد ومؤسسات الدولة الأمنية والإدارية والتشريعية، إلى جانب الأهداف العسكرية، مما يشير إلى نية العدو بتدمير غزة قبل غزوها برياً، وانتهاجه لسياسة الأرض المحروقة. حصار غزة وتجويع سكانها، وضربها بهمجية، هو إنزال عقاب جماعي بحق سكان غزة، وهو بذلك انتهاك لنص المادة (33) من اتفاقية جنيف الرابعة: “لا يجوز معاقبة أي شخص محمي عن مخالفة لم يقترفها هو شخصياً. تحظر العقوبات الجماعية وبالمثل جميع تدابير التهديد أو الإرهاب. السلب محظور، وتحظر تدابير الاقتصاص من الأشخاص المحميين وممتلكاتهم”. وكذلك المادة (75) من البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف. كما أن الحصار والاعتداءات الصهيونية العسكرية تمثل جرائم وردت في المادة الخامسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية International Criminal Court (صيغ في 17 تموز/يوليو 1998)، وهي على سبيل الحصر؛ جريمة الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الحرب، وجريمة العدوان.
            فجريمة الإبادة الجماعية Genocide جريمة دولية وردت في البند الأول من المادة الخامسة من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، والمادة السادسة من ذات القانون، وهي جريمة ترتكب “بقصد إهلاك جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، بصفتها هذه، إهلاكا كلياً أو جزئياً” ومن صورها “إخضاع الجماعة عمداً لأحوال معيشية يقصد بها إهلاكها الفعلي كلياً أو جزئيا” المادة (ج/6)، وهو ما رمى إليه حصار السنتين، حيث استشهد العشرات نتيجة نقص الدواء وضعف الإمكانات العلاجية وإغلاق المعابر، وهو ربما أشد وطئة، لأسباب جيوديموغرافية، من الحصار الجائر الذي فرض على العراق إثنتي عشرة سنة. ويعد أيضا جريمة إبادة جماعية “قتل أفراد الجماعة” (ج/6)، وهو ما تقوم به آلية العدو العسكرية في هجماتها الجوية والبحرية والبرية.
 
أما الجرائم ضد الإنسانية Crimes Against Humanity (ب/5) و (7)، فترتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين؛ وتشمل أعمال القتل والإبادة وإبعاد السكان أو نقلهم قسراً والسجن والتعذيب والاغتصاب والاضطهاد العرقي والإخفاء القسري للأشخاص والفصل العنصري، وأية أفعال لاإنسانية مشابهة ذات طابع مماثل تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو في إلحاق أذى خطير بالصحة العقلية أو الجسدية. وسجل قوات الاحتلال حافل بانتهاكات مماثلة في فلسطين ولبنان، وهو يكرر جرائمه ضد الإنسانية في كل حروبه الهمجية، وتشير التكهنات إلى نية العدو في ارتكابها في الأراضي التي يحتلها برياً في القطاع.
 
أما جرائم الحرب War Crimes فيقصد بها الانتهاكات الجسيمة لاتفاقيات جنيف، إلى جانب الجرائم الواردة في المادتين (ج/5) و (8) ومن ذلك القتل والتعذيب وإلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات، واستخدام الأسلحة والقذائف (مثل القنابل الفوسفورية وقنابل النابالم والقنابل الانشطارية والقنابل العنقودية والقنابل الفراغية، وهي محرمة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1980) والسموم المحظورة، وإجراء التجارب البيولوجية، وتوجيه هجمات ضد المباني المخصصة للأغراض الدينية والتعليمية والخيرية والمشافي وأماكن تجمع الجرحى، وتعمد شن هجوم مع العلم بأن هذا الهجوم سيسفر عن خسائر تبعية في الأرواح أو عن إصابات بين المدنيين أو عن إلحاق أضرار مدنية أو عن إحداث ضرر واسع النطاق بالقياس إلى مجمل المكاسب العسكرية المتوقعة من الهجوم، أي خرق قاعدة “التناسب” the rule of proportionality.
 
وفي استهدافه المفرط للمدنيين، يتذرع العدو الصهيوني بأن مبدأ “التمييز” distinction بين المحارب والمدني، وبين الممتلكات العسكرية والمدنية، يعتمد على ركني “القصد” و”النتائج المتوقعة” “intent” and “expected result“، وأن إيقاع ضحايا بين المدنيين وتدمير ممتلكاتهم يكون مقبولاً إذا ما توافر الركنان. لكنه يعود ويعترف باستهداف بيوت المدنيين عمداً، لأن معيل الأسرة التي تقطن البيت قائد حمساوي؛ إذاً اتجه (قصد) العدو إلى قتل مدنيين لاحتمال وجود المحاربين في البيت وقت قصفه؛ ومثال على ذلك قصف العدو لبيت القائد القسامي نزار ريان، وقتله لخمسة عشر مدنياً من ذويه وجيرانه. فالعدو (توقع نتيجة) إيقاع خسائر جسيمة بين المدنيين كونه يعلم حجم أسرة الشهيد واكتظاظ الحي السكني الذي استهدفه، لكن ذلك لم يثنه عن جريمته؛ ومثل ذلك أيضاً استهداف العدو للمدنيين في المساجد والأحياء السكنية والأسواق. إذاً القصد الجرمي مبيّت، والنتائج المتوقعة هي إلحاق خسائر فادحة بالغزيين المدنيين لحملهم على الاستسلام، أو خيانة المقاومة، إلى جانب تحقيق مكاسب استعمارية على الأرض.
 
ووفق المادة (2/5) من النظام، تمارس المحكمة الاختصاص على جريمة العدوان Crime of Aggression، فالأصل أن تحافظ الدول على السلم والأمن الدوليين، وقد تناولت اتفاقية لاهاي الثانية لسنة 1907 مبدأ عدم جواز اللجوء إلى الحرب في فض النزاعات، إلا دفاعاً عن النفس، وضمن نطاق ضيق لا تعسف فيه. وقد بين قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (3314) لسنة 1974 سبع صور للعدوان، على سبيل المثال لا الحصر، وقرر في المادة الخامسة منه عدم جواز التذرع بالعوامل السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية أو غيرها لتبرير شن العدوان. وقد ميزت المادتان (6 و7) من القرار بين العدوان وبين الدفاع عن النفس المرتبط بالحق في تقرير المصير، الذي أيدته المواثيق الدولية وقرارات الجمعية العامة، ومنها القرار (1514) في 14 ديسمبر 1960 المتعلق بحق الشعوب المستعمرة في تقرير مصيرها بالكفاح المسلح.
 
ولكل ما سبق، وبموجب ميثاق الأمم المتحدة، كان يجب على حكومة العدو أن تتخذ التدابير اللازمة لمنع أي انتهاكات للقانون الدولي الإنساني تنجم عن أعمالها القتالية في غزة، وإدارتها للحرب والتخطيط لها. كما يقع على عاتقها أيضاً التقيد باتفاقية جنيف الرابعة، والبحث عن الأشخاص المشتبه في ارتكابهم للانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني، أو إصدارهم الأوامر بارتكابها، وإحالتهم إلى المحاكم الجنائية المحلية المختصة، والدولية حال الادعاء عليهم، وعليها تحمل المسؤولية المدنية في تعويض الضحايا. والجدير بالذكر أن المادة (13) من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية تمنح مجلس الأمن الدولي سلطة إحالة حالات جرمية إلى المحكمة، حتى لو اتصلت هذه الحالات بدول ليست طرفاً في النظام الأساسي للمحكمة؛ ومن ثم فجرائم الكيان الصهيوني ذات العلاقة تقع ضمن اختصاص المحكمة؛ وبموجب هذه المادة تمكن مدعي عام المحكمة من الادعاء بحق الزعيم السوداني عمر البشير في قضية قبائل دارفور الانفصالية.
 
كما يفترض أن يكون مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية ممثلاً للمجتمع الدولي، ووفق المادة (15/1) من نظام المحكمة، يمكنه أن يباشر التحقيقات (من تلقاء نفسه) على أساس المعلومات المتعلقة بجرائم تدخل في اختصاص المحكمة. وعلى الرغم من أن الاختصاص الأصيل، والأهم، للأمم المتحدة هو حفظ السلم والأمن الدوليين، بالاستعانة بالأجهزة التنفيذية في منظمة الأمم المتحدة، وفقاً لنص المادة (7/1) من الميثاق، لتطبيق القانون الدولي العام والإنساني، إلا أن مجلس الأمن رفض إدانة الغزو البري أو الدعوة إلى وقفه، بسب الفيتو الأمريكي. وحتى لو أدان المجلس أو الجمعية العامة عدوان العدو، فالعدو لا يحفل بذلك؛ وسابقاً لم يحفل بقرار الجمعية العامة رقم (داط-10/13) الصادر عام 2003، بناءً على فتوى قانونية من محكمة العدل الدولية، والقاضي بوقف بناء، وهدم، جدار الفصل العنصري. فالقانون شرعة الأقوياء، والأقوياء وحدهم يسنّون القانون، مشفوعاً بالثغرات المناسبة أحياناً، ويطبقونه لتحقيق مصالحهم دائماً، ويخرقونه إذا تعلق الأمر بلجم خططهم الشريرة. ويبدو أن التغيير السياسي هو مفتاح تفعيل القانون الدولي الإنساني، فانتصارات المقاومة على الأرض، وتهاوي الحكومات القمعية، غير الشرعية، التي تمد الكيانات الغاصبة بأسباب وجودها، ستخلق واقعاً دولياً جديداً، يعيد العدل إلى نصابه، ويخرج القوانين من ركام الكتب والمدونات القديمة القابعة في أقبية الجامعات، إلى أروقة المحاكم، ويغير القوانين وأنظمة ومسميات الجمعيات والمنظمات واللجان الدولية، ويحفظ الحقوق، ويطيح بكل ظلم تأسس على باطل، ويكافح الجريمة ويحفظ الأمن والسلم للمجتمع الدولي. 
 ————-
نقلا عن صحيفة صوت الشورى في عددها(78)
 
أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فكر ثقافة | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر