الافغاني امة في رجل

كتبهاابراهيم الحمزي ، في 11 فبراير 2009 الساعة: 20:48 م

كتب: إبراهيم محمد علي الحمزي

يعتبر السيد جمال الدين الافغاني رائد الحركة الاصلاحية الحديثة في العالم الإسلامي فيلسوف الشرق وباعث النهضة الحديثة في العصر الحديث كان امة في رجل ،تجاوزت همته الاقطار والافاق وتمردت على الالوان والاجناس والمذاهب والعصبيات لتصهر امة الإسلام في بوتقة واحدة توحد مشروعها وغاياتها امام الزحف الاستعماري الغربي الذي بدا يلتهم بلدان المسلمين قطعة قطعة وينخر مجتمعاتهم الواحد بعد الاخر.

ولقد أدى التدهور المستمر بغياب المسلمين بصفتهم قوى عالمية أن فقدت وحدتها السياسية وإن لم تفقدها بصفتها أمة مهما تعددت كيا ناتها السياسية خلال عصور التجزؤ والانقسامات السياسية في دول، إلا أن الأمة حافظت على وحدتها وبعد المرحلة الاستعمارية كانت الكارثة الأكبر وهي تجزؤ الأمة ذاتها فأصبح هناك ما أطلق عليه الحدود والجنسيات والحكومات المتعادية ومراحل رفع الشعا رات الكاذبة  المضللة. وخلال المرحلة الاستعمارية رجع المؤمنون وهم يرون العظات والعبر والقوارع إلى الدعوة إلى الله على بصيرة.

‏وكان لجمال الدين الأفغاني -أكبر مصلح عرفه العصر الحديث مجدد القرن الفضل الأول في الصحوة الإسلامية، فقد ذكر الأمة بمنهجها، منهج الوحي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلقه،

‏وذكرها بعزتها وكرامتها ودعاها إلى النهضة الشاملة وذكرها بوحدتها وحضارتها . وحرك الهمم هنا وهناك على جميع المستويات العلمية والفكرية والدعوية والفقهية والثقافية والأدبية والإعلامية.

‏لقد كان الداعية الإسلامي الكبير جمال الدين الأفغاني (ت ( 99 ‏18م) هذا الرجل الفذ العبقري العظيم الذي كان يمثل رجالأ بل يمثل أمة، والذي عاش هموم المسلمين وحمل على عاتقه قضايا الامة وأمالها وألامها فطاف من آجل ذلك في أقطار عدة في بلا« الإسلام وفي بلاد الكفر. كان أول زعيم استطاع أن يقرب بين الامة على اختلافا فرقها ومذاهبها حول ما هو مشترك واحترام ما هو خاص وأعاد إليها الثقة في نفسها.

‏ودعا إلى العمل البناء في يومها لتتحقق امالها في غدها المرموق، وكانت نتيجة جهاده ابتداء الصحوة الإسلامية

‏التي أثمرت فكرأ أو مفكرين مصلحين يخططون ويعملون لغد مشرق يبد« الظلمات فكان من ثمرة ذلك مصلحون حملوا راية الإصلاح والتجديد منهم الإمام محمد عبده وتلميذه رشيد رضا واخوانه بن باديس والشيرازي والإمام حسن البنا وعبدالرحمن الكواكبي وعبدالقادر الجزائري والإمام الخميني وعلي بن عبدالله الوزير راعي حركة الإصلاح في اليمن ومحمد الوريث والعديد من الأسماء اللامعة في حركة الإصلاح والصحوة الإسلامية في أكثر من بلد وقطر.. ولعلنا ان نستدرك ما فات فنستلهم من شخصية السيد جمال الدين الأفغاني من حياته وذكراه المزيد من النفع والفائدة..

‏كانت أفكاره تتسم بالجرأة والتحرر فحاربه تيار الجمود وشككوا في عقيدته وطالب جمال الدين الأفغاني بمحاكمة الذين رموه بهذا الإفك وإزاء انقسام الرأي بين مؤيد ومعارض له`طلب منه السلطان مغادرة الأستانة تهدئة للخواطر، وعزم على الذهاب إلى الهند عن طريق مصر لكنه بقي في مصر بطلب من رجال العلم والسياسة قيها . عاش هناك فترة من أخصب أدوار حياته إذ كان له تأثير كبير في الحركة العلمية والسياسية والصحآفية وكانت خطبه ومقالاته شديدة التأثير في نفوس الناس مع الخاصة والعامة، فقد خاطبهم يومأ قائلا: هبوا من غفلتكم، أصحوا من سكرتكم.. أئفضوا عنكم الغباوة والخمول، شقوا صدور المستبدين بكم كما تشقون أرضكم بمحاريثكم، عيشوا كباقي الأمم أحرارأ سعداء، وموتوا مأجورين شهداء».

‏وقد عاش في بطرسبورغ حيث أقام فيها لمدة عامين نشر فيها مقالات في الصحف الروسية عن الاتحاد الإسلامي وضد بريطانيا واستعمارها للبلدان الإسلامية. استقبله قيصر روسيا وسأله عن سبب خلافه مع شاه إيران فقال:

‏»إنها الحكومة الشو روية.. أدعوا إليها ويرفضها هو» فقال القيصر: «إنه على حق كيف يقبل ملك أن يتحكم فيه فلاحو مملكته» فاجابه الافغاني بكلمات بليغة طرقت أذن القيصر بعنف.. إذ قال: «إنه خير للملك أن تكون ملايين رعيته أصدقا ‏له من أن يكونوا اعداء يترقبون له الفرص “فلم يعجب القيصر هذا الحديث.

‏لقد كان العقل المسلم محاطأ بغشاوة من الجهل والتخلف سببها عصور طويلة من نظم الحكم الاستبدادي الذي يضيق بأي نشاط عقلي حر لان أول ما سيناقشه هذا العقل هو مشروعية هذه النظم الحاكمة وطبيعة منهجها في الحكم طبقا لمعايير التمييز بين الصواب والخطأ والحق والباطل. وقد دعا السيد جمال الدين الافغاني في مشروعه الإصلاحي إلى تحرير العقل المسلم من أساره لكي يكتشف من أسرار الطبيعة وقوانينها ما شاء،» فقال: «إن الإنسان من أكبر أسرار هذا الكون ولسوف يستجلي بعقله ما غمض وخفي من أسرار الطبيعة ولسوفا يصل بالعلم وبإطلاق سراح العقل إلى تصديق تصوراته فيرى ما كان من التصورات مستحيلا قد صار ممكنا وما صوره جموده وتوقفا عقله عنده بأنه خيال قد أصبح حقيقة».

‏وقد لاحظ الأفغاني ببصيرته النافذة ما لم يره المنبهرون با لحضارة الغربية وتقدمها العلمي من مثقفي المسلمين في حينه، وهو أن ذلك التقدم ألعلمي الكبير لم يمنع الإنسان من أن يعيث في الأرض فسادا ولم يهذب غرائزه وإنما أطلق العنان لغريزة الشر فيه كي تفعل فعلها بل وزودها بأدوات جديدة لم تكن معروفة عند السابقين مما جعله يتفوق في وحشيته على من سبقه. ولذا فإن القلم إذا لم تحدد غاياته الخيرة التي تتلخص في تحقيق السعادة للانسان والارتفاع بمستواه المإدي والمعنوي فإنه لن يساهم في تقدم الإنسان بل بانحطاطه وتأكلة يومأ بعد يوم.

‏وذلك لن يتحقق إلا بوجود أساس ديني للحضارة فالدين هو منبع القيم وهو الضامن للعلم من الإنحراف عن جادة الصواب.

‏يقول الأفغاني: «إننا معشر المسلمين إذا لم يؤسس نهوضنا وتمدننا على قواعد ديننا وقراننا فلا خير فيه ولا يمكن التخلص من وصمة انحطاطنا وتاخرنا إلا عن هذا الطريق».

‏وعلى هذا الاساس رفض التقليد الاعمى للحضارة الغربية من قبل طائفة من المثقفين والمتعلمين المسلمين فيقول: “إن المقلدين للتمدن الغربي إنما يشوهون وجه الامة ويضيعون ثروتها ويحطون من شأنها إنهم المنافذ لجيوش الغزاة يمهدون لهم السبيل ويفتحون لهم الابواب».

‏يقوم المشروع السياسي للأفغاني على ركيزتين اساسيتين:

‏الاولى: الدعوة للحرية والحرب على الاستبداد.

‏والثانية: الدعوة للاستقلال والحرب على الاستعمار.

‏وهو يلخص موقفه المتضمن لهذين الامرين حين يقول:”إذا صح أن من الأشياء ما ليس يوهب فأهم هذه الاشياء الحرية والاستقلال وأن هذا الشرق وهذا الشرقي لا يلبث طويلا حتى يهب من رقاده ويمزق هو وأبناؤه لباس الخوف والذل فيأخذ في إعداد عدة الامم الطالبة لاستقلالها المستنكرة لاستعبادها”.

‏تكاد حياة الأفغاني بما شابها من تنقل ونفي وإبعاد وتغرب وأسفار دائمة ومخاطر مهلكة تكون نموذجأ للتوق إلي الحرية ومناهضة الاستبداد، ولعل جلالمشكلات التي واجهها إن لم يكن كلها ناجمة عن مواقفة العنيفة ضد المستبدين من حكام الشرق والغرب.

‏وهو يقول في إحدى مقالاته في “العروة الوثقى»: «إن الأمة التي ليس لها في شؤونها حل ولا عقد ولا تستشار في مصالحها ولا أثر لإرادتها في منافعها العمومية وإنما هي خاضعة لحاكم واحد أرادته قانون، ومشيئته نظام يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، فتلك أمة لا تثبت على حال واحدة ولا ينضبط لها سير، فتعتورها السعادة والشقاء ويتداولها العلم والجهل ويتبادل عليها الغنى والفقر، ويتناوبها العز والذل وكل ما يعرض عليها من هذه الاحوال خيرها وشرها فهو تابع لحال الحاكم فإن كان حاكمها عالمأ حازمأ أصيل الرأي عالي ألهمة رفيع المقصد قويم الطبع ساس الأمة بسياسة العدل ورفع فيها منار العلم ومهد لها طريق اليسار والثروة.

‏وإن كان حاكمها جاهلأ سيء الطبع سافل الهمة شرهأ مغتلما جبانا ضعيف ألرأي أحمق الجنان خسيس النفس معوج الطبيعة، أسقط الأمة بتصرفه إلى مهاوي الخسران وضرب على نو اظرها غشاوات الجهل”.

‏أما الدعوة لتحرير البلدان الإسلامية من برائن الاستعمار فقد وقف الأفغاني على هذا الأمر حياته وسخر له قلمة وإمكاناته كافة وكانت كلماته تلهب الحماسة وتستثير العواطف وتبعث الهمم.

‏لكنه لم يتوقنا عند حدود الكلمات والخطب بل تجاوزها إلى العمل السري المنظم فأنشأ في مصر «الحزب الوطني الحر» الذي ضم الكو كبة اللامعة من رجال السياسة المصريين الذين ناوأوا النفوذ الاستعماري في بلادهم أمثال سعد زغلول وعبدالله النديم وأحمد عرابي ومحمد عبده وغيرهم.

‏ ‏كانت الامة الاسلامية في عصر جمال الدين الأفغاني ممزقة مشتتة بسبب العصبيات القومية والقطرية والقبلية والمذهبية وكان هذا الامر يسهل مهمات الطامعين في السيطرة على البلدان الإسلامية الواحدة تلو الاخرى بعد إنهاكها في الصراعات الداخلية واستنزاف طاقاتها بالحروب الاهلية، فدعا جمال الدين الافغاني إلى الجامعة الاسلامية. وبدلأ من التعصب القومي دعا المسلمين إلى الاعتصام بحبال الرابطة الدينية التي هي أحكم رابطة اجتمع فيها التركي بالعربي، والفارسي بالهندي والمصري بالمغربي وقامت لهم مقام الرابطة النسبية».

‏إن الملامح العامة لسيرة الأفغاني أصبحت أشهر من أن تستدعي الإعادة فقد كان رائدأ من رواد حركة ألإصلاح الديني والسياسي والفكري والتعليمي في العالم الإسلامي. ولكننا نريد أن نتوقف اليوم قليلأ في ذكرى ذلك الرجل الذي لم يكن متقدمأ كثيرا على عصره فقط بل ما يزال متقدمأ حتى على عصرنا هذا بما قدمه من أطروحات جريئة وتحليلات عميقة لازمة الامة.. والله المستعان.

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر