تقرير المرصد اليمني: الاستمرار في دفع اليمن نحو انقسام سياسي واجتماعي حاد يضعها أمام خطر حقيقي
كتبهاابراهيم الحمزي ، في 3 يونيو 2009 الساعة: 18:02 م
حذر التقرير السنوي للمرصد اليمني لحقوق الإنسان من الاستمرار في دفع البلاد إلى حالة انقسام سياسي واجتماعي حاد يتخذ عدة أوجه, منها الانقسام الجهوي والمذهبي, مؤكداً أن ذلك يضعها أمام خطر حقيقي لا يُستبعد معه فقدان كل مستوى من الاستقرار وإنهيار الدولة.
وشدد التقرير على ضرورة تفادي ذلك الخطر من خلال إصلاح ديمقراطي يحقق المصالح الوطنية ويوفر شروط الإنتقال الديمقراطي وبناء دولة القانون كأساس للاستقرار وتحقيق تنمية شاملة وعادلة يمكن معها مكافحة الفقر ثم القضاء عليه.
التقرير السنوي لحقوق الإنسان والديمقراطية لعام 2008م والذي توقع أن تتجاوز النسبة الحقيقية للسكان الواقعين تحت خط الفقر50%, ونسبة البطالة 53%, قال أنه مع عدم تمكين المواطنين من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتراجع الهامش الديمقراطي وحالة الحقوق السياسية والمدنية, فإن المستقبل يعد بالمزيد من اتساع رقعة الفقر ليس بسبب الأزمة المالية العالمية أو احتمال قبول عضوية اليمن في منظمة التجارة العالمية فحسب.
ويستدرك التقرير الصادر عن المرصد اليمني لحقوق الإنسان "بل ما تعده الحكومة مع البنك الدولي من حزمة جديدة من الإجراءات, أهم اتجاهاتها تخفيض نسبة الأجور بنسبة (1,6%) من إجمالي الناتج المحلي وإنهاء الدعم عن المشتقات النفطية خلال الفترة 2010, ومضاعفة نسبة ضريبة المبيعات 10% حتى عام 2009, وتقليص نسبة الزيادة في رواتب وأجور الموظفين والعاملين, وإصلاحات تشريعية أخرى وغير ذلك", مشيراً إلى أنه وبإعتراف البنك الدولي ستفضي هذه الإجراءات إلى زيادة مساحة الفقر بنسبة 9,2%.
· تزييف وتسييس بياني
واتهم التقرير الذي تركز اهتمامه لهذا العام على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية مع رصد الانتهاكات للحقوق السياسية والمدنية, الحكومة بالتسييس والتكييف المتعمد لمؤشرات وإحصائيات قاعدة البيانات والمؤشرات الخاصة بالحسابات القومية وكذلك للمسوحات الميدانية الممولة منها أو من المنظمات والجهات الدولية المانحة التي أظهرت نتائجها الفعلية أرقاماً ومؤشرات غير مرضية للحكومة ولإنجازاتها المبالغ فيها, وأضاف "الأمر الذي دفع ويدفع الحكومة إلى استمرار تحايلها وحجبها للمؤشرات والنتائج الفعلية والحقيقية ".
وأوضح أن الإصرار على تزييف وتسييس قاعدة البيانات الرسمية وتكييف إحصائياتها بصورة مستمرة واتخاذه دون اكتراث كنهج متواصل اعتادت عليه يعكس السياسة اللامسؤولة للحكومة والسلطة معاً في استبدال وتسييس المؤشرات والإحصائيات الرسمية بهدف إظهار نجاحات اقتصادية مزعومة ومعدلات نمو وهمية, وبما يوحي بنجاح سياسات التنمية والإصلاح الاقتصادي – الاجتماعي, دونما اعتبار لما يترتب على ذلك من أضرار وعواقب خطيرة على كل المستويات, منوهاً إلى أنه بسبب ذلك العبث الرسمي تصبح الدراسات والأبحاث وعمليات التخطيط والبرمجة للتنمية والإصلاحات الحاضرة والمستقبلية مجرد أوراق بعيدة عن الوقع وخاطئة في أهدافها ومناهجها ونتائجها.
ولفت تقرير المرصد اليمني الذي كانت مسودته على طاولة النقاش – الاحد الماضي- إلى تقرير رئيس الحكومة المقدم للبرلمان في فبراير 2008م والذي أدعى فيه بأن حالة الفقر تراجعت وفقا لنتائج مسح ميزانية الأسرة (2005- 2006) من 45,2% إلى 35% من السكان, مشيراً إلى أنها نسبة لا تهتم للأرقام المطلقة للأعداد المتزايدة من الفقراء, وزاد "إلا أن الأهم هو قرار مجلس الوزراء في ذات الفترة, بإدراج 10 ملايين مواطن يمني فقير ضمن المستحقين لإعانات صندوق الرعاية الاجتماعية, ومضاعفة المبالغ الزهيدة جداً المقدمة للمستفيدين والتي كانت تتراوح مابين 1000 ريال شهرياً للأسرة المكونة من فرد أو فردين و2000ريال للمكونة من 7 أفراد وأكثر".
وأضاف "وحتى بمضاعفة تلك المبالغ الزهيدة فإن الحقيقة الماثلة وفقاً لقرار الحكومة ذاتها تتمثل في وجود 10 ملايين يمني يقعون تحت خط الفقر أي ما نسبته 45,5% من السكان وليس 35% كما تدعي الحكومة", مؤكداً أنه بسبب التلاعب بالإحصائيات والدراسات وتسييسها فمن الصعب تحديد نسبة حقيقية وفعلية دقيقة لمن يقعون تحت خط الفقر, مرجحاً ان تتجاوز نسبة الفقر 50% ونسبة البطالة للأسباب ذاتها ومع زيادة أعداد المتقدمين لسوق العمل وارتفاع معدل النمو السكاني الذي يضخ سنوياً 200 ألف عامل وعاملة في حين أن الوظائف المتاحة في القطاع العام لا تزيد عن 9 ألف وتدني القدرة الاستيعابية لأنشطة القطاع الخاص, مرجحاً ان تكون نسبة البطالة أكثر من 53%.
· اتساع رقعة الفقر
ويرى التقرير أن تفشي الفقر وإتساع رقعته دليلاً واضحاً على عدم تمكين المواطنين من حقوقهم الإنسانية وحرياتهم الأساسية ويمثل عقبة رئيسية أمام تحقيق مستوى معيشي لائق, مشدداً على أن تحرير الإنسان من الفقر يعني توفير حاجاته الأساسية المتمثلة في الحد الأدنى من الاحتياجات المادية والمعنوية وتشمل (الغذاء, الملبس, المسكن, الماء الصالح للشرب, الطاقة, المواصلات, الاتصالات, وخدمات النقل والرعاية الصحية والتطبيب المجاني وسلامة البيئة والمجاري الصحية, والحق في التعليم والمعرفة والحصول على المعرفة, والحق في الضمان الاجتماعي والعمل والأجر العادل والحصول على مختلف الخدمات الاجتماعية والثقافية).
وأكد تقرير المرصد اليمني السنوي أن ممارسة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا تتحقق إلا بإقامة تنمية شاملة وعادلة ومتوازنة تشمل الريف والحضر وتكون موالية للفقراء وترفع من مستوى معيشتهم وحياتهم وإشراكهم في القرار التنموي وفي العملية التنموية والاستفادة من عوائدها, ملفتاً على أنه من ضمن ما تتطلبه هذه المشاركة تغيير الإدارة المركزية للتنمية التي ارتبطت بمركزية الحكم والثروة وتركيزهما بيد قلة من القائمين على السلطة في العاصمة والمرتبطين بهم في إدارة شؤون المحافظات.
وأضاف "وترتب على ذلك إشاعة الفساد السياسي وأدى إلى عدم توازن التنمية وعدالتها بين المركز والأطراف, والمدينة والريف, وإلى تهميش واستبعاد الفقراء, ثم إلى تخلي الدولة عن تحقيق التنمية, ومن ثم يكون من شروط تحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة تحقيق انتقال ديمقراطي يشمل لا مركزية الحكم ويتولى إدارة التنمية المحلية هيئات حكم محلي منتخبة بالكامل من قبل السكان المحليين".
· نجاحات جزئية أُجهضت
ويعود التقرير إلى ما قبل الوحدة اليمنية, حيث أحرزت اليمن بعض التقدم في تمكين الفقراء من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وقبل ضمان كل الحقوق السياسية والمدنية وقبل استخراج الثروة النفطية, مشيراً إلى أنه كان من المفترض أن حجب جزء من الحقوق المدنية والسياسية كالتعددية الحزبية والسياسية وحرية التجمع والرأي والتعبير والحرية والأمن الشخصي قد أعاق التقدم في ممارسة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وفي المقابل, فإن التمكين من الحقوق السياسية والمدنية كان يتوجب أن يؤدي إلى تمكين الفقراء من ممارسة الضغط لنيل حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وبضمان نوعي الحقوق فإنه كان يفترض أن يتمكن الفقراء من المطالبة بالمساواة الأفقية والرأسية وتحقيق ذلك بالتدريج ومساءلة الدولة عن أي إخلال بمسئولياتها, ما يفضي إلى إيجاد تدابير اجتماعية وسياسات اقتصادية موجهة نحو الحقوق وموالية للفقراء.
وبحسب التقرير, فإن واقع الحال يظهر أن فقراء اليمن خلال 18 عاماً مضى خسروا الكثير من المكاسب على صعيد حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وأضاف "وأزداد الفقراء فقراً وتعمق عدم المساواة الرأسي والأفقي وانخفاض الدخل, واليمن هو البلد العربي الوحيد في آسيا الأقل نمواً والأشد فقراً في الإقليم وبين دول مجموعة الشرق الأوسط وأفريقيا, ودخل ما يقرب من نصف السكان أقل من دولار في اليوم".
ويرى أن ارتفاع نسبة الفقر الى نسبة 50% وأكثر يعد مؤشراً كافياً لعدم حدوث أي مستوى من التحول الديمقراطي وإهدار حقوق الإنسان وخاصة عند الأخذ بمعيار أن اليمن دولة منتجة للنفط والغاز وبمعيار إنعدام المساواة وعدم توجيه التنمية لصالح الفئات الأقل دخلاً والأكثر فقراً, وواصل "إذ أن الـ 20% الأفقر من السكان لايحصلون إلا على نسبة 1,6% من الدخل القومي, بينما يستأثر الـ 20% الأغنى من السكان على نسبة 67% من الدخل السنوي, وبفعل أن مصدر الثروة الأساسي هي الثروات الطبيعية المملوكة للدولة, وبسبب تفشي الفساد الذي جعل السلطة والقرب منها مصدراً للثروة, فإن سياسات الدولة المتحيزة للخمس الأغنى من السكان تتجه بفاعلية لإفقار كل المجتمع بما في ذلك الطبقة الوسطى ولصالح الخمس الأغنى وبوتيرة عالية, إذ كان هذا الخمس الغنى يستحوذ على 48,8% في عام 1998 فارتفعت النسبة إلى 67%".
ويشير التقرير إلى أن العمال الفقراء يحصلون على أجور أقل من غير الفقراء بنفس مستواهم التعليمي وتتناقص معدلات الالتحاق بالتعليم عند الأطفال الفقراء كما تتراجع بصورة كبيرة إمكانية الفقراء الحصول على الرعاية الصحية, ويعاني أطفال الفقراء من سوء التغذية بنسبة أعلى ويتسع الفقر بصورة كبيرة بين النساء وفي الأرياف بسبب السياسات المتحيزة وانخفاض الأجور الحقيقية بنسب عالية مقارنة ببداية عقد التسعينيات, موضحاً أن ذلك "جعل الفئات الأقل دخلاً والأكثر فقراً تشمل فئات كانت تعد من قوام الطبقة الوسطى كموظفي الدولة, فأنحدر جزء هام منهم إلى قاع الفقر, واتسعت قاعدة غير القادرين على الحصول على حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وأضحت القاعدة العريضة من السكان غير قادرة على مواجهة الاحتياجات الأساسية للإنسان من غذاء وكساء ومسكن, ناهيك عن التعليم والصحة والطاقة والمواصلات والاتصالات".
ووفق التقرير الذي أعتمد على إحصائيات رسمية, فإن الأمية بين الكبار تمثل حوالي 50% في حين أن 65% من الأسر تعيش في سكن غير لائق وغير مستقر و74% من الأسر لا تحصل على المياه عبر الشبكة العامة و85% منها لاتستفيد من شبكة الصرف الصحي و55% لا يحصلون على الإنارة من الشبكة العامة.
ويؤكد التقرير أن زيادة الفقر لا يرجع فقط إلى ضعف النمو, لكن غياب التنمية العادلة والفساد والسياسات الموالية للأغنياء وعدم المسئولية تجاه الفقراء وغياب التدابير الحقيقية للتمكين من ممارسة الحقوق, ويستدرك "بل وإتخاذ تدابير مباشرة للإفقار ورفع الأسعار وزيادة الضرائب ورفع الدعم عن السلع الضرورية وتخلي الدولة عن تقديم الخدمات وإبعاد عدد كبير من الموظفين من الوظيفة العامة والاستيلاء على القطاع العام", ما أدى إلى إتساع دائرة الفقر وتعميق الفجوة بين الفقراء والأغنياء.
وينبه التقرير الى ان ما وصل إليه الحال ليست الديمقراطية سبباً له, لكن ذلك نتج عن الاكتفاء بتبني ديمقراطية الواجهة وقصرها على مجرد انتخابات يتم التحكم بنتائجها سلفاً واستمرار أزمة الشراكة ومظهرها البارز عدم حدوث تداول للسلطة, ويضيف "وحتى الواجهة الديمقراطية تآكلت".
· انتهاكات عام
ووفق إحصائيات المرصد اليمني لحقوق الإنسان لعدد وقائع الانتهاكات لحقوق الإنسان (ميدانياً وصحفياً), فالعام 2008م شهد ألفين و403 واقعة انتهاك, منها ألفان و265 واقعة في الحقوق المدنية والسياسية و138 واقعة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وبحسب الحقوق, فقد جاء في مقدمة الحقوق الأكثر عرضة للانتهاك الحق في الحرية والأمن الشخصي والحق في السلامة الجسدية والحق في الحياة والحق في المحاكمة العادلة والحق في التجمع السلمي وبلغ عدد الوقائع المرصودة فيها ألف و985 واقعة بنسبة 82,60%.
وجاءت محافظات (عدن, لحج, الضالع, تعز, الأمانة, أبين) في مقدمة المحافظات الأكثر انتهاكا, حيث بلغ إجمالي عدد الوقائع المرصودة فيها ألف و887 واقعة بنسبة 72,52% من إجمالي عدد الوقائع المرصودة, ويلفت التقرير إلى أن هذه المحافظات شهدت حراكاً مدنياً وسياسياً عالياً خلال العام 2008 وكان مواطنوها أكثر استعمالا لحقوقهم المدنية والسياسية من مواطني بقية المحافظات.
بالنسبة للجهات المرتكبة لوقائع الانتهاكات المرصودة, فالجهات الرسمية بلغت عدد وقائع انتهاكاتها ألف و870 واقعة انتهاك بنسبة 77,81%, لتسجل زيادة عددية قدرها ألف و179 واقعة عن عام 2007م, منها ألف و412 واقعة توزعت على الأمن العام والأمن المركزي والشرطة العسكرية و304 واقعة كان القائم بالانتهاك فيها جهات حكومية (مدنية, قضائية), ووصل عدد وقائع انتهاك للأمن السياسي إلى 84 واقعة و70 واقعة أقدم عليها البحث الجنائي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : قضايا الحقوق والحريات | السمات:تقارير
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























