مفارقات ساحة الديمقراطية والقاسم المشترك

كتبهاابراهيم الحمزي ، في 29 يوليو 2009 الساعة: 09:09 ص

عبد الغني زيد

 

   كنت كغيري ممن حضر الثلاثاء الماضي إلى ساحة الديمقراطية أمام مجلس الوزراء، وذلك من أجل الاعتصام للمطالبة بالإفراج عن المعتقلين على ذمة حرب صعدة، حيث أن أهالي وأسر المعتقلين يعتصمون بشكل منتظم أسبوعيا من أجل إطلاق سراح  أبنائهم وإخوانهم من السجون تنفيذاً لأوامر رئيس الجمهورية.

إلى  هنا ما زال الخبر طبيعياً وليس فيه جديد، وليس فيه ما يثير الدهشة والغرابة، لكن ما حدث بجانب هذا الاعتصام من اعتصامات أخرى، جمعت في مجملها نقائض ومفارقات تضحك كثيراً وتبكي أكثر.

نعم حدث في ذلك اليوم أكثر من اعتصام، فموظفو وعمال اليمنية اعتصموا للمطالبة بكشف الحقائق حول حادثة سقوط أو بالأصح إسقاط طائرة الإيرباص اليمنية أمام سواحل جزر القمر، وأبناء القبيطة المفجوعين على أبناء المقتولين اعتصموا من أجل متابعة الحكومة في إلقاء القبض على القتلة في جريمة (حبيل جبر) ونقابة الأطباء والمتضامنين مع قضية مقتل الدكتور درهم القدسي اعتصموا واعتصم أيضاً مع هؤلاء أبناء الطائفة اليهودية في اليمن من اجل قضية هروب أحد بناتهم وتزوجها من أحد  أبناء خارف المسلمين واعتناقها الإسلام، مطالبين الحكومة بإنقاذها مما هي فيه مدعين بأنها مخطوفة.

المنظر بشكل عام، قد يقول البعض عنه أنه يمثل نوعاً من الديمقراطية، وشيئاً جميلاً وصحياً لكن العجيب في ذلك والمفارقة الغريبة فيه أن يعتصم اليهود اليمنيون بجانب أهالي المعتقلين على ذمة حرب صعدة و الحوثية، والذي قام فيها الحوثيون بطرد اليهود من بلادهم وبيوتهم بصعدة، وقوفهم جميعاً "أهالي المعتقلين واليهود" متجاورين مطالبين الحكومة بإنصافهم والتجاوب معهم، ومن المفارقات أن الصحفيين الذين كان عددهم لا يتجاوز أصابع اليد، ليأخذوا  منهم بعض المعلومات ويكون لكل واحد السبق في نشر ما جاؤوا من أجله، في المقابل لم تحرك قضية المعتقلين وقتل الدكتور القدسي وسقوط طائرة اليمنية ومقتل أبناء القبيطة وغيرها من القضايا اهتمام الصحفيين ومراسلي القنوات الفضائية بشكل يتناسب مع حجم هذه القضايا وآثارها، وقد لا حظ ذلك جميع المعتصمين وجنود الأمن الذين يحرسون مجلس الوزراء والشرطة الراجلة الذين يحضرون الاعتصامات ما دفع كل هؤلاء بالاحتشاد والتجمهر حول اليهود لعلهم ينالوا بذلك بعض الاهتمام والتغطية لما يعتصمون  من أجله.

ومن المفارقات أيضاً، أن اعتصام موظفي وعمال اليمنية قد حضره بعض المضيفات والعاملات الأجنبيات واللواتي حضرن الاعتصام مكشوفات الرأس، يقابل ذلك اعتصام أهالي المعتقلين من النساء المؤمنات الصابرات المحتشمات ذوات الشأن والعلاقة بالمعتقلين، واللواتي يضربن أسمى وأرقى الأمثال في الصبر والاحتساب والحب والاهتمام بذويهن من أبنائهن وأخوانهن وآبائهن، لم ينسهن ألم الغيبة وفاجعة الفراق أن يلتزمن بالآداب والأخلاق الإسلامية.

كل هذا وأكثر حدث في ساحة الديمقراطية مما لا يسع المقام لذكره لأنه يمتد بطول البلاد  وعرضها وما يتعرض له هذا الوطن وأبناؤه من ظلم وحيف، يحدث هناك ما يثير العجب والاستغراب مثل أن يشتكي أهالي الدكتور القدسي تقاعس الدولة عن القيام بواجبها في إلقاء القبض على قتلته، ويشتكي كذلك أهالي قاتل الدكتور القدسي من تعسف الدولة ضدهم وتخريب بيوتهم، هذا مثال بسيط لما يحدث في ساحة الديمقراطية حيث يجمع جميع من يعتصم في تلك الساحة قاسم مشترك يربط هذه الاعتصامات والمعتصمين، بالرغم من اختلاف اتجاهاتها ومطالبها وأدبياتها وأسباب حدوثها.

إن هذا القاسم المشترك جعل هذه الأحداث والأشخاص كلها تجتمع للمشاهد و الناظر والسامع والقارئ في صورة واحدة لا تختلف عن بعضها.

إن القاسم المشترك فيما يحدث في ساحة الديمقراطية هو"السلطة" نعم إنها السلطة بإهمالها وتجاهلها وإخفاقها وسوء تصرفها وتعاملها مع الأحداث والقضايا  التي تمس حياة المواطنين وحقوقهم وحياتهم وأعراضهم، دفعت بأولئك المعتصمين إلى الاعتصام في ساحة الديمقراطية ليسجلوا للدولة والسلطة، مساوئ ديمقراطيتها وليذكروا السلطة كذلك بواجباتها أمام الشعب، تلك الواجبات التي أهملت وضاعت فسببت بذلك الكثير من الإفرازات غير الصحيحة والسلبية على المواطنين وعلى السلطة نفسها.

وفي الأخير أتمنى أن تعير حكومتنا الموقرة مطالب أولئك المعتصمين بعض الاهتمام والالتفات إلى مطالبهم وعدم تجاهلهم وعدم الاكتراث بهم، كما حدث في الثلاثاء الماضي وكما يحدث دائماً، لأن ذلك سينعكس سلباً عليها ويصير مالا يحمد عقباه، وإلى الأخوة الصحفيين ومراسلي القنوات الفضائية، مثلما نطالب السلطة بالمساواة والاهتمام بنا من غير تمييز ولا تصنيف، نطالبكم بالمساواة والاهتمام والمتابعة لكل ما يحدث في وطننا ولأبناء هذا الوطن عموماً، لأنكم صوت من لا صوت له في هذه البلاد، وليس كما حدث في الثلاثاء الماضي من تجاهل لجماهير المعتقلين وقضاياهم، واهتمامكم بفئة معينة من المعتصمين لم يتجاوز عددهم أصابع اليد، لأن رسول الله –صلى الله عليه وسلم – قال:"من لم يهتم بأمر المسلمين…." وبقية الحديث الشريف أنتم تعرفونه، ولا تريدون أن تكونوا كذلك والله ولي  التوفيق.

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : مقالات | السمات:
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر